عندما تغلق كل الأبواب في وجه السجين عندما يقوم بالبحث عن عمل العودة إلى السجن أرحم من حرية بلا معنى .
ولو في عالمنا العربي وفي أيامنا هذه روائيون لما فوتوا سلسلة من روايات البؤس والشقاء عن مشردي العالم .
قبل عدة أيام أطلق سراح سجين في المانيا وفي يده طلب إلتماس إلى مدير السجن لكي يعيده إلى الزنزانة التي كان فيها .
السبب هو ليس التعبير عن الضيق بالحياة التي تسمى أحيانآ السجن الأكبر . السبب هو الجوع والبرد والمأوى
فالرجل لا مأوى له في المانيا كلها رغم أن الحشرات والزواحف وسائر الكائنات تجد جحورآ تهجع فيها .
هذه ندبة سوداء في جبين الرأسمالية المتوحشة .
فمن بدأوا بطرقون البوابات العالية في وول ستريت ثم تمددوا إلى باريس ولندن وروما ومدريد لا يحتجون على إفســاد البيئة أو ندرة الأكسجين الذي طرده من الفضاء زفير المصانع ودخانها . بل لأن الرغيف أولآ وأخيرآ هو محور هذا الغضب .
أن اعداد المشردين الذين يفتضح امرهم وعريهم معآ في الشتاء بلغ رقم غير مسبوق بدءآمن عاصمة الرأسمالية الجديدة بنيويورك حتى تلك العواصم التي تمد يدها والسنتها من غرب البحر المتوسط إلى شرقه . والألماني الذي توســل إلى السجان كي يعيده إلى زنزانته طمعآ في قليل من الدفىء و و جبة طعام . هو على الصعيد النظري بوعزيزي أوروبا لكنه لم يحرق نفسه
ربما لخلو ثقافته من اسطورة طائر العنقاء .
وإذا إستمر الحال على ما هو عليه أو تفاقم فأن معظم السجناء الذين يطلق سراحهم قد يعتصمون في سجونهم طلبآ للبقاء فيها .
فالحرية أصبحت عبئآ . فجياع هذا القرن النووي يتجلى في إختراع مساحيق تجميل للفقير وأخرى للجهل
فلا يسمى الفقير فقيرآ إذا قرر أن يرتدي قناع الأغنياء ويزور الأوراق المالية أو يغسلها أو يدخل في نادي الفساد .
فهل كتب الروائيون عن أجيال سوف تأتي ويشموا عن بعد رائحة العفن التي بدأت تتسرب من عواصم أنيقة .
ضحايا هذا القرن حملوا حريتهم وطافوا بها بالشوارع
بحثآ عمن يشتريها برغيف خبز ومدفأة .
المفضلات