المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء ؟



marj
28-03-2010, 12:22 PM
لماذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء ؟
بقلم: مهند حسن الشاوي
(1)
مَن منا لا يعرف امرء القيس ، أو لم يسمع به، وهو صاحب المعلقة المشهورة التي تلهج بها الألسن:
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ = بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
وامرؤ القيس هو لقبه؛ أما اسمه فهو حندج بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو الكندي، يكنى بأبي الحارث، وأبي وهب، وأبي زيد، ويلقّب بامرئ القيس وبه اشتهر حتى نُسي اسمه، ومعناه رجل الشدّة، وثاني ألقابه الملك الضلّيل، وقيل في معناه أقوال: فهو إما التائه لأنه قضى حياته كلها غير مستقر، أو معناه الغاوي، لأن الحياة التي كان يحياها حياة غواية وضلال، ولقبه الثالث هو ذو القروح والظاهر أنه لقب بذلك بسبب قوله (من الطويل):
وَبُدِّلتُ قَرحاً دامِياً بَعدَ صِحَّةٍ = فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
لقد اعتبر كثير من علماء العرب وأدباؤهم ونقادهم امرء القيس أشعر الشعراء في الجاهلية، وبعض منهم اعتبره أشعر الشعراء والمقدم عليهم في كل زمان، ومن هؤلاء - كما سيمر عليك في هذا البحث- : قدامة الكاتب، وأبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، والشعبي، وأبو علي الحاتمي، وأبو العباس، وخلف الأحمر، وابن سلام، والفرزدق وجرير والأخطل والحطيئة، وغيرهم من الشعراء وأهل الفن، وما سئل عن أشعر الشعراء إلا وكان امرؤ القيس أول من تشخص إليه الأبصار. ولنذكر من ذلك بعض الأمثلة:
منها ما روي عن رسول الله (ص) أنه قال في حق امرئ القيس: (هُوَ أشْعَرُهم ، وَقَائدُهُم الى النَّار)، ورواه المتقي الهندي في كنز العمال بلفظ قريب.
وما ورد في نهج البلاغة عن الشريف الرضي يذكر الإمام علي قال: وسُئِلَ: من أشعر الشعراء؟ فقال عليه السلام: (إنَّ القَوْمَ لم يَجْرُوا في حَلَبةٍ تُعْرفُ الغَايةُ عِندَ قَصَبتِهَا؛ فإنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَالملِكُ الضِّلِّيْل). يريد امرؤ القيس.
ومما يروى أنه اجتمع عند عبد الملك بن مروان أناس، ومنهم روح بن زنباع، فسأله عبد الملك بن مروان: أخبرني عن أشعر الناس؟ فقال: أشعرهم الذي يقول(من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا *** وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
والذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً *** لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
ومنها أنه كتب الحجاج الى قتيبة بن مسلم كتاباً فيه شيء من الشدة والغلظة قائلاً: (أما بعد، فإني أكتب إليك في أمرٍ أنا أعلم به منك، وأبلغ قولاً، ولكني أريد أن أبلو ما عندك، فلا تريَنَّ يا بن أم قتيبة أني أحتاج إليك، فأسألك لفضل ما عندك، فلا تحدثنَّ نفسك بذلك فتعجب بها.. حتى قال: وأخبرني عن أشعر شعرائنا اليوم، وأخبرني عن أشعر شعراء الجاهلية والإسلام، وإياك يا بن أم قتيبة أن تدليك العصبية في الأهوية، فإني ناظر أين يقع كتابك من قولي، ثم عارضه على أهل العلم إن شاء الله).
فكتب إليه قتيبة: (أما بعد، فإنه أتاني كتاب الأمير يسألني عن أمر هو أعلم به مني، وإن قِبَلَهُ من أهل الشام، وأهل العراق من هو أحسن نظراً مني. وهل أنا إلا غلام شاب في أودية الأمير... حتى قال: وأما أشعر شعراء الجاهلية والإسلام: فامرؤ القيس، وأكثرهم مثلاً طرفة بن العبد، وأما أشعر شعرائنا اليوم، فأفخرهم: الفرزدق، وأهجاهم: جرير، وأنعتهم: الأخطل. فهذا الذي بلغه علمي...).
أقول: فانظر كيف أنه جمع ثلاثة شعراء من أكابر شعراء عصره كلٌّ في فنه في قبال شاعر واحد، مع ما هو فيه من شدة التضييق والوعيد من قبل سائله، والتذكير بعرض رأيه على أهل العلم.
وروى البيهقي في المعارج قال: سأل رجلٌ الفرزدق وقال: من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (من الطويل):
وَما ذَرَفَت عَيناكِ إِلا لِتَضرِبي = بِسَهمَيكِ في أَعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
وسأل الأخطل وقال: من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا = وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
وسأل جريراً وقال: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول (من الطويل):
سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أَهلُها = سُموَّ حَبابِ الماءِ حالاً عَلى حالِ
فاجتمعوا وهم شعراء الإسلام على أن امرء القيس أشعر الناس.
وذكروا أن هشام بن عمرو التغلبي، وكان والي السند، وهو فضّل النابغة على امرئ القيس، وكان معه من العرب من يفضّل امرء القيس على الشعراء. فقال هشام ذات ليلة في سَمَره: من يحسن أن يقول مثل قول النابغة (من الطويل):
كِليني لِهَمٍّ يــا أُمَيمَةَ ناصِبِ = وَلَيـلٍ أُقاسيهِ بَطيءِ الكَواكِبِ
وَصَدرٍ أَراحَ اللَيلُ عازِبُ هَمِّهِ = تَضاعَفَ فيهِ الحُزنُ مِن كُلِّ جانِبِ
تَطاوَلَ حَتّى قُلتُ لَيسَ بِمُنقَضٍ = وَلَيسَ الَّذي يَرعى النُجومَ بِآئِبِ
فقال ذلك الرجل الذي يفضّل امرء القيس: أحسن من ذلك امرؤ القيس حيث قال (من الطويل):
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ = عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمـومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّــا تَمَطّى بِصُلبِهِ = وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويـلُ أَلا اِنجَلي = بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ
فاعترف هشام بتفضيل امرئ القيس.
وسأل سعيد بن العاص، وهو أمير المدينة، الحطيئة، وقال: من أشعر الناس؟ فقال الحطيئة: امرؤ القيس؛ لقوله (من الكامل):
اللهُ أنجَحُ مَا طَلَبْت بِهِ = وَالبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
وزعموا أن كثيّر عزة الخزاعي قال: خرجتُ من عند عبد الملك بن مروان، وقد خلع علي وكساني حلة، وأنا معجب بها، وأنا أطوف، فوصلت في بادية الشام الى جارية سوداء توقد ناراً ببعر، فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا كثير بن عبد الرحمن. فقالت: أكثير عزة؟ فقلت: نعم. فقالت: لاحياك ولا بياك، أنت الذي تقول (من الطويل):
فَما رَوضَةٌ بِالحَزنِ طَيِّبَةَ الثرَى = يَمُجُّ النَدى جَثجاثُها وَعَرارُها
بِأَطيَبَ مِن أَردانِ عَزَّةَ مَـوهِناً = وَقَد أوقِدَت بِالمَندَلِ الرَطبِ نارُها
ويحك لو ألقيت العنبر على هذا البعر طابت ريحه، فهلا قلت كما قال امرؤ القيس (من الطويل):
أَلَم تَرَياني كُلَّما جِئتُ طارِقاً = وَجَدتُ بِها طيباً وَإِن لَم تُطَيَّبِ
قال كثيّر: فقلت للجارية: ويحك، اكتمي عليَّ هذا العيب، ولك هذه الحلّة. فأعطيتها الحلّة ومضيت.
ولأن لكل عصر ضوابطه وقواعده في نقد النصوص، وتمييز الأوفق منها والأجمل، حاولت في هذا البحث أن أجد الضوابط التي اعتمدها هؤلاء النقاد والعلماء السابقون في التقييم وهو وإن كان بحثاً يحتاج الى بيان طويل، لكننا يمكن أن نختصره ونلم بأشتاته من خلال نماذج سطرها الكتّاب في مصنفاتهم.
(2)
وقد استقرأت ما ورد من الأخبار في هذا الشأن، ووجدت أن سبب الحكم لامرئ القيس بكونه أشعر الشعراء؛ يمكن أن نحيط به ونلحظه من خلال عدة جهات، أهمها ثلاث:
الجهة الأولى: أنه السبّاق الى الأبكار المبتدعة والمعاني العقم التي عجز عن اقتفائها واللحاق به من رامها من بعده.
فمن ذلك مما روي عنه:
1. قوله (من الطويل):
إذا مَا اسْتَحمَّتْ كَانَ فَضْلُ حمَيمِهَا = عَلى مَتنَتيْهَا ، كَالجُمَانِ لدى الجَالي
قال أبو علي: وهو أول من نطق بهذا المعنى، وتعاوره الناس بعده، فحاول الوليد بن يزيد أخذ هذا التشبيه فقال – وأتى به في بيتين – (من المتقارب):
كأنَّ الحميم على متنها = إذا اغترفتْهُ بأطساسِها
جُمانٌ، يجولُ على فضَّةٍ = جلتها حدائدُ دوَّاسِها
2. وفي هذه القصيدة ذاتها – يصفُ امرؤ القيس فرساً – (من الطويل):
بِعَجلَزَةٍ قَد أَترَزَ الجَريُ لَحمَها = كَميتٍ كَأَنَّها هِراوَةُ مِنوالِ
وهو أول من نطق بهذا المعنى، أخذه بعض المحدثين، كما قال الحاتمي، فقال، ولم يدركه (من الوافر):
وزعت بكالهراوة أعوجيٍّ = إذا ونتْ الركاب جرى وسالا
3. ومن التشبيهات الرقيقة قول امرئ القيس (من المتقارب):
وَلَو عَن نَثاً غَيرِهِ جاءَني = وَجُرحُ اللِسانِ كَجُرحِ اليَدِ
وهو أول من نطق بهذا المعنى، فأخذه طرفة، وأساء العبارة، وأتمها بقوله (من الكامل):
بحسام لفظك ، أو لسانك ، والـ = ـكلم الأصيل كأرغب الكَلِمِ
وهو أول من أستوقف الصحب، وبكى أطلال الديار وشبّه النساء بالضباء، وبالبيض، والخيل بالعقبان، وبالعصي، وجعلها قيد الأوابد، وقد أحسن في كل ذلك، كما ذكر الأصمعي وسوف تقع عينك على كثير من هذه الإشارات في طيات هذا البحث.
(3)
الجهة الثانية: أنه الأكثر إبداعاً في جلِّ فنون القول وضروب الفصاحة وأنواع البلاغة، والأفضل فيهنَّ على غيره، ولئن اشترك معه بعضهم في الإبداع، فقد أضحى هو مجمعها والملم بأشتاتها، مع تقدمه عليهم زمناً.
فمن ذلك:
1. إنه أحسن من أشار:
قال عيسى بن عبد العزيز الطاهري: جمعني وقدامة الكاتب مجلسٌ، ولم أرَ أفرسَ منه في بيت شعر، فسألته عن الإشارة، فقال: هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة، فقلت: اذكر أحسن ما يحضرك في ذلك، فقال: لم يأتِ أحد بمثل قول زهير (من الوافر):
فإني لو لقيتك ، فاتجهنا = لكان لكل منكرة كفاءُ
وقول امرئ القيس – في وصف الفرس – (من الطويل):
عَلى هَيكَلٍ يُعطيكَ قَبلَ سُؤالِهِ = أَفانينَ جَريٍ غَيرَ كَزٍّ وَلا وانِ
وقال آخر: ما اشتملت عليه لفظة (أفانين) مما لو عدّ لكان كثيراً، وما اقترن بها من أصناف الجودة طوعاً، عن غير مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والونى، وهما أكبر معائب الخيل التي يرتبطها الفرسان للمنازلة.
2. أنه أحسن من قسّم:
قال أبو علي: لا أعرف أحسن تقسيماً من قول الأسعر الجعفي في وصف فرس (من الكامل):
أما إذا اســــتقبــلـــــــته فكأنَّهُ = بازٍ يكفكفُ أن يطيــــر وقد رأى
أما إذا اســــتدبــــــرته فتنوفةٌ = ساقٌ قموص الوقع عارية النسا
أما إذا اســـتعرضته متمطِّــراً = فتقول هذا مثل سرحــــن الغضا
إني رأيت الخيل عزّاً ظاهــراً = تنجي من الغمّا ويكشفن الدُجى
وشبيه هذا قول امرئ القيس (من المتقارب):
وَأَركَبُ في الرَوعِ خَيفــــانَةً = كَسى وَجهَها سَعَفٌ مُنتَشِــــــر
إِذا أَقبَلَت قُلـــتَ دُبّــــــــــاءَةٌ = مِنَ الحُضرِ مَغموسَةً في الغُدُر
وَإِن أَدبَـرَت قُلتَ أَثـفِيَّــــــــةٌ = مُلَملَمَةٌ لَيسَ فيهــــــــــــــا أُثُر
وَإِن أَعرَضَت قُلتَ سَرعوفَةً = لَهـــــا ذَنَبٌ خَلفَهـــــا مُسبَطِر
وكل من جاء بتقسيم بعد امرئ القيس فقد اقتفى أثره هذا واغترف من نهره.
3. إنه أحسن من تابع:
قال أبو علي: وأبدع ما قيل في التتبيع، وهو أن يريد الشاعر معنىً، فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظٍ تابع له، فإذا دلَّ التابعُ أبان عن المتبوع. وأحسن ما قيل في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة (من الطويل):
بعيدة مهوى القرطِ ، إما لنوفلٍ = أبوها، وإما عبد شمسٍ وهاشمِ
وأبدع من هذا التتبيع قول امرئ القيس (من الطويل):
وَيُضحي فَتيتُ المِسكِ فَوقَ فِراشِها = نَؤومُ الضُحى لَم تَنتَطِق عَن تَفَضُّلِ
إنما أراد أن يذكر ترفّه هذه المرأة، وإن لها ما يكفيها، فأتى باللفظ التابع لذلك.
4. إنه أحسن من أوغل:
قال أبو علي: التبليغ أو الإيغال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تماماً قبل انتهائه الى القافية، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، فتزيد البيت نصاعةً، والمعنى بلوغاً الى الغاية القصوى في الجودة، وأبدع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس (من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا = وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
فقد تمَّ الوصف قبل القافية، وذلك أن (عيون الوحش) إذا ماتت وتغيّرت هيئتها، أشبهت الجزع. ثم أتى بالقافية، ثم أكد المعنى البعيد في التأكيد، لأن تشبيه عيون الوحش الجزع الذي لم يثقب أوقع في التشبيه. وزعم الأصمعيّ أنه إذا كان كذلك كان أصفى له وأحسن.
أقول: وفي هذا البيت نفسه فن آخر وهو أيضاً مما فاز امرؤ القيس بقدحه المعلى سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى،
ونعود الى قول أبي علي نفسه، قال:
وقول امرئ القيس أيضاً (من الطويل):
إِذا ما جَرى شَأوَينِ وَاِبتَلَّ عِطفُهُ = تَقولُ هَزيرُ الريحِ مَرَّت بِأَثأَبِ
فقد تمَّ الوصف بالتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها زاد المعنى براعةً ونصاعة؛ وذلك لأن (الأثأب) شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد.
5.إنه أحسن من شبّه شيئين بشيئين:
قال أبو علي: أجمع أهل العلم بالشعر، كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وغيرهما بأن أحسن التشبيه ما يقابل به مشبّهان بمشبهين؛ فإن أحداً لم يقل في ذلك أحسن من قول امرئ القيس (من الطويل):
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً = لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
شبّه القلوب رطبةً بالعنّاب، ويابسةً بالحشف البالي، وإنما خصَّ القلوب؛ لأنها أطيبها، فإذا صادت الجوارح الطير جاءت بقلوبها الى أفراخها. وقيل: إن الجارح لا يأكل شيئاً من قلوب الطير، وإنما خصَّ القلوب لبقائها في وكر العقاب.
وكل من جاء بهذا الفن فعلى منواله نسج ومن مائه استقى.
قال بشّار: ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس (كأن قلوب الطير رطباً) وأنا أراود نفسي أن أقابل مشبهين بمشبهين، فلا أستطيع ذلك، الى أن قلت (من الطويل):
كأنَّ مثار النقع فوق رؤوسنا = وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبهْ
أما عن أحسن من شبّه، بشكل عام،
فقد قال أبو العباس: أنا أقول: قول ذي الرمّة في تشبيه الرمل بأوراك العذارى – وهذا من احتيال الشعراء – (من الطويل):
ورملٍ كأوراك العذارى قطعتُهُ = إذا لبَّستْهُ المظلمات الحنادسُ
وقول رجلٍ من باهلة يشبّه بغي رجل ذكره (من الوافر):
وبغيُكَ يا بن جَرءٍ في تمادٍ = كسيل الأكم يبتدر الوهادا
وقول امرئ القيس (من الطويل):
كأنَّ عروساً يوم جلــوة أهلها = عليها شنوف الدرّ هضبة أسلافِ
وقال أبو علي: وأنا أقول: إن أحسن التشبيهات قول حميد بن ثور الهلالي (وذكر أبياته) وقول الشمّاخ (وذكر أبياته)، وقول امرئ القيس (من الطويل):
جمعت ردينياً كأنَّ سنانه = سنا لهبٍ لم يستعرْ بدُخانِ
أقول: فانظر كيف اختلفا في ما ذهبا إليه من أبيات، ولم يتفقا إلا على أن أحسن من شبّه هم ثلاثة شعراء، وامرؤ القيس أحدهم.
6. إنه أحسن من حشا بيتاً لإقامة الوزن:
قال أبو علي: وهذا باب لطيف جداً، لا يتيقظ له إلا من كان متوقد القريحة، متباصر الآلة، طبّاً بمجاري الكلام، عارفاً بأسرار الشعر، متصرفاً في معرفة أفانينه.
قال: ومن بارع هذا المعنى قول امرئ القيس (من الطويل):
كأنَّ عيون الوحش ، حول خبائنا = وأرحلنا ، الجزع الذي لم يثقَّبِ
فلو قال (كأن عيون الوحش الجزع الذي لم يثقّب) واستقام الوزن بذلك، لكان التشبيه تاماً واقعاً، فلمّا لم يقم الوزن، أورد في المعنى زيادةً بارعة رائعة؛ لأن قوله (حول خبائنا وأرحلنا) إخبار عن كثرته، وتمدّح منه بأنه مرزوق في صيده.
7. إنه أحسن من أغرق:
وفي الإغراق والغلو قال أبو علي الحاتمي ،بعدما ذكر أبياتاً في أحسن ما قيل في ذلك في وصف سرعة الفرس، قال: وبيت امرئ القيس أحسن وأشبه. وأحسبه أول من طرق هذا المعنى بقوله (من الطويل):
كأنَّ غلامي إذ علا حال متنهِ = على ظهر بازٍ في السماء محلّقِ
8. إنه أحسن من مكّن قافيةً:
وهو أن يتخيّر من القوافي أسهلها لفظاً وأوضحها معنىً، ينفي الجافي عنها، ويميّز القلق منها، ويسوق البيت الى القافية سوقاً لطيفاً، حتى يكون لفقه وطبقه، فإنه إذا اعتمد ذلك وقعت القافية مستقرّة غير قلقة ولا نافرة، حتى لو أراد مريدٌ أن يبدلها بغيرها لم يستطع ذلك .
وقد أورد أبو علي أبياتاً في ذلك، ثم أردف: أحسن القوافي عندي تمكناً وألطفها موقعاً، قول امرئ القيس (من الطويل):
بعثنـا ربـيئـاً ، قبل ذلك ، مخملاً = كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي
فقوله (يتقي) مستقرةً في أحسن مستقرٍّ.
9. إنه أحسن من أتى بمثلين في بيت واحد:
قيل للفرزدق: أي بيتٍ قالته العرب أحكم؟ قال: ما اشتمل على مثلين، يستغنى في التمثيل بكل واحد منهما على حدته عن صاحبه. ثم أنشد قول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
قال الأصمعي: زعموا أنه ليس في الشعر بيتٌ أوله مثل ، وآخره مثل، إلا ثلاث أبيات، وهي: قول الحطيئة (من البسيط):
من يفعلِ الخير لا يعدم جوازيَهُ = لا يذهب العرفُ بين الله والناسِ
وقول امرئ القيس (من الوافر):
وأفلتهنَّ علبـاء جريضاً = ولو أدركنهُ صَفِرَ الوطابُ
وقاهم جدُّهم ببني أبيهم = وبالأشقين مـا كان العقابُ
قال أبو علي: قوله (صفِرَ الوطاب): قُتل فخلت وطابه من اللبن الذي كان يسقيه الأضياف، وهو أول من نطق بهذا المعنى. وفي قوله (صفر الوطاب) معنى آخر حسن، وهو أنه قتل بخلاء جسمه عند موته من روحه، كما يخلو الوطب من اللبن. فأخذ هذا المعنى منه الأعشى وغيره.
قال: وأنا أذكر من أبيات الشعر الذي يتمثل بصدورها وأعجازها، وأوضح سقوط قول الأصمعي الذي تقدم، فمن ذلك قول امرئ القيس (من الطويل):
فإنَّك لم يفخر عليكَ كفاخرٍ = ضعيفٍ (فهذا مثل سائر)
ولم يغلبك مثل مغلّبِ (فأتى بمثل سائر)
وقال ابن سلام: ليس من بيتٍ إلا وفيه مطعن، إلا قول الحطيئة (من البسيط):
من يفعلِ الخير لا يعدم جوازيَهُ = لا يذهب العرفُ بين الله والناسِ
وقول طرفة (من الطويل):
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً = ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ
وقول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
فانظر بمَ اختلفوا وعلامَ اتفقوا.
وقد ذكروا في أبدع أمثال الأعجاز، من بين ما ذكروا، قول امرئ القيس (من الطويل):
وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ
10.إنه أحسن من ابتدأ:
قال الأصمعيُّ: لامرئ القيس بيتٌ لم يسبقه إليه أحد، ولا ابتدأ بمثله شاعر: وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الأحبة والمنازل، ووصف الدمن، فقال (من الطويل):
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ = بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
وقال أبو عمرو بن العلاء: الابتداءات البارعة التي تقدم أصحابها فيها خمسة، ثم ذكرها وعد منها بيت امرئ القيس هذا.
(تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
(4)
الجهة الثالثة: أن بعض أبياته عُدَّ كلٌّ منها أمير الشعر في بابه وميدانه،
ومن تلك الميادين التي بذَّ فيها الأنداد:
1.في أفخر بيت قالته العرب:
قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب، قول امرئ القيس (من البسيط):
ما ينكر الناس منّا يوم نملكهم = كانوا عبيداً وكنا نحن أربابا
قال أبو علي: وهذا عندي أفخر بيتٍ قالته العرب.
2. في أصدق بيتٍ قالته العرب:
قال حمّاد الراوية: سألت الفرزدق: أي الشعراء أشعر في أشياء مختلفة؟ وأيهم أصدق بيتٍ في الجاهلية؟ قال: أصدق بيتٍ قول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
قلت فمن كان أحسن تشبيهاً وأصدقهم فيه؟ قال: الذي يقول (من الطويل):
كأنَّ عيون الوحش ، حول خبائنا = وأرحلنا ، الجزع الذي لم يثقَّبِ
قلت: فأي العرب كان أفخر في الجاهليّة؟ قال الذي يقول (من الطويل):
فلو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ = كفاني، ولم أطلب قليلاً من المالِ
ولكنني أسـعى لمجــــدٍ مؤثّــلٍ = وقد يدرك المجـــد المؤثّلَ أمثالي
3. في أوصف بيتٍ قالته العرب:
قال روح بن زنباع: أحسن بيتٍ وصفاً قول امرئ القيس (من الطويل):
وتعرف فيه من أبيـه شمائلاً = ومن خاله ومن يزيد ومن حُجُرْ
سماحة ذا، وبـر ذا، ووفاء ذا = ونائل ذا إذا صحـا ، وإذا سكَرْ
4. في أشعر بيت قالته العرب:
قال الأصمعي: ليس شعر أشعر وأجود من قول امرئ القيس (من الوافر):
ألا يا لهف نفسي إثر قومٍ = همُ كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدُّهم ببني أبيـــهم = وبالأشقين ما كان العقـــابُ
وأفلتـهنَّ علبـــاء جريضاً = ولو أدركنهُ صَفِـــرَ الوطــابُ
وقال أبو علي: أشعر بيت قالته العرب هو قول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
وقوله أيضاً (من الطويل):
فإنَّك لم يفخر عليكَ كفاخرٍ = ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّبِ
فانظر كيف اختلفا في تعيين البيت واتفقا على قائله، وهذا طالما يكون في مثل شعره، وإليك صنو هذا:
5. في أغزل بيتٍ قالته العرب:
قال الأصمعي: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس (من الطويل):
وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي = بسهميك في أعشار قلب مقتّلِ
وقال قومٌ: بل هو قوله أيضاً (من الطويل):
أغرك منّي : أنَّ حبَّك قاتلي = وإنّك مهما تأمري القلب يفعلِ
6. في أخلب بيت قالته العرب:
قال خلف الأحمر هي أبيات زهير(من الطويل):
تراه إذا ما جئتــــــه متهلــلاً = كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخو ثقةٍ لا تذهب الخمر ماله = ولكنه قد يذهـب المال نائله
وقال الأصمعي: بل هو قول حمزة بن بيض (من المنسرح):
تقول لي ، والعيـون هاجعةٌ = أقـم عليـنـــــا يومـاً ، فلم أقمِ
أي الوجوه انتجعت قلت لها = هذا أي وجـــــهٍ إلا الى الحكمِ
متى يقـل حاجبــــــاً سرادقه = هذا ابن بيضٍ بالباب مبتسـمُ
قال أبو علي: قوله: (هذا ابن بيض بالباب مبتسم) البيت، ينظر الى قول زهير: (تراه إذا ما جئته متهللاً) البيت، وقول زهير: (أخو ثقةٍ لا تذهب الخمر ماله) البيت، ينظر الى قول امرئ القيس وهو أول من نطق بهذا المعنى (من الطويل):
سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا = ونائل ذا إذا صحـا ، وإذا سكَرْ
7. في أحسن ما قيل في مدح الشيب:
قال أبو علي: وأكثر الناس في هذا، فأحسن ما قيل فيه قول امرئ القيس، وهذا أول من نطق بهذا المعنى (من الطويل):
ألا إن بعد العدم للمرء قنوةً = وبعد المشيب طول عمرٍ وملبسا
8. من شوارد الأمثال: قالوا إن أشرد ما قيل في الوصية بحفظ اللسان:
قول امرئ القيس (من الطويل):
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهُ = فليس على شيءٍ سواه بخزّانِ
9.ومن شوارد الأمثال: قالوا في أشرد مثل قيل في التفجّع على فقد الأخوان:
قول امرئ القيس (من الطويل):
إذا قلت هذا صاحبي قد رضيتهُ = وقرّت به العينان.. بُدّلت آخرا
10. ومن شوارد الأمثال أيضاً: قالوا في أشرد بيت قيل في العدول عمّا لا يستطاع:
قول الأعشى (من الطويل):
إذا حاجةٌ ولتك لا تستطيعها = أدر طرَفاً عن غيرها حين تسبقُ
قال أبو علي: وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس، فأتى به في أحسن لفظ، فقال:
وخير ما رمت فاسأل
ومن هذا أخذ عمرو بن معدي كرب قوله (من الوافر):
إذا لم تستطع شيئاً فدعه *** وجاوزه الى ما تستطيعُ
هذه بعض الضوابط التي اكبر من خلالها هؤلاء النقاد والأدباء والعلماء شاعرية امرئ القيس وعدوه أشعر الشعراء وأشعر الناس.
(5)
على هامش البحث:
وقبل أن أختم الكلام، أنقل هاتين القصتين على هامش هذا البحث، لغرابتهما ولأن فيهما شيئاً مختلفاً يخص هذا الشاعر:
الأولى: ما رواه ابن قتيبة في الشعر والشعراء قال:
أقبل قوم من اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، فضلوا الطريق ومكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، إذ أقبل راكبٌ على بعيرٍ، وأنشد بعض القوم (من الطويل):
ولمّا رأت أن الشـريـعةَ همّـَها = وأن البيــــاضَ من فرائصها دامِ
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عِنْد ضَارِجٍ = يَفِيءُ عليها الظَّلُّ عَرْمَضُهَا طامِ
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارجٌ عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الركب، فإذا ماءٌ غدقٌ، وإذا عليه العرمض والظل يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا.
والثانية: ما ذكره البيهقي في المعارج قال:
كان امرؤ القيس شديد الغيرة، فلما رأى ذلك النساء منه غيّبن بناته في الأحياء، فعرف ذلك امرؤ القيس، فخرج يوماً حتّى أقبل على جوارٍ يلعبن في غدير، فقال: أيتكنَّ تُجيز عليَّ بيتاً حتى أعطيها راحلتي؟ فقالت ابنته: هات، فقال امرؤ القيس (من الوافر):
إذا بركت تعالى مرفقاها = على مثل الحصير من الرخامِ
فقالت ابنته (من الوافر):
فقاموا بالعصيّ ليبعثوها = فهبّت كالعصيفِ من النعامِ
فنزل امرؤ القيس، وغطها في الماء حتّى ماتت. ثم جاء الى غدير آخر، وقال لمن كانت هناك من النساء: أيتكن ترد عليَّ بيتاً أعطيتها ثوبي. فقالت ابنته: هات. فقال امرؤ القيس (من الكامل):
صادت فؤادك بالنياط خريدةٌ = صفراء رادعةٌ عليها اللؤلؤُ
فقالت الجارية (من الكامل):
كعقيلةِ الأدحيّ بات يحفّها = ريشُ النعام وزال عنها الجؤجؤُ
فأخذها، وضرب بها الصخر حتى قتلها. ثم أتى غديراً آخر، وقال: أيتكن تردّ علي بيتاً وتأخذ فرسي؟ فقالت جارية: هات. فقال امرؤ القيس (من الكامل):
وكأنهنَّ نعاج رملٍ هائلٍ = نزُفٌ يمدن كما يميدُ الشاربُ
فقالت الجارية (من الكامل):
بل هنَّ أقربُ في الخطى من خطوها = إنَّ الخرائدَ خطوها متقاربُ
فلم يزل يتوخاها حتى قتلها، ثم انصرف وقد فرغ من قتل بناته، وقال (من الكامل):
طال الزمان وملّني أهلي = وشكوتُ هذا البين من جُملِ
ثًمَّ إذا مــا بتُّ أرّقــــــني = فإذا انتبــهتُ فأنتـــــمُ شُغلي
هذا وكتب مصطفى عبد الشافي في مقدمة ديوان امرئ القيس أنه قد ذُكر في كتاب قديم مخطوط أن ملك القسطنطينية لما بلغته وفاة امرئ القيس، أمر أن ينحت له تمثال وأن ينصب على ضريحه، ففعلوا، وظل تمثال امرئ القيس قائماً هناك الى أيام المأمون، وقد شاهده عند مروره هناك لما دخل بلاد الروم ليغزو الصائفة.